دليل للبالغين، ونظرة صادقة حول متى تكون الجراحة هي الحل ومتى لا تكون
آلام الظهر من أكثر الأسباب التي تقود الناس إلى عيادة جرّاح المخ والأعصاب، ومن أكثرها سوء فهم. فلنبدأ بأكثر حقيقة تبعث على الطمأنينة في هذا الدليل كلّه: الغالبية العظمى من آلام الظهر ليست ناتجة عن شيء خطير، والغالبية العظمى منها تتحسّن دون جراحة. ومعظم من يراجعون جرّاح العمود الفقري لا يحتاجون إلى عملية. كُتب هذا الدليل ليساعدك على فهم ما يجري في عمودك الفقري، وما تعنيه العبارات المكتوبة في تقرير الأشعة، والأهمّ من ذلك كيف تفرّق بين متاعب الظهر التي تحتاج إلى وقتٍ فقط، وتلك المجموعة الأصغر بكثير من المشاكل التي تفيد فيها الجراحة فعلاً. اقرأه قبل موعدك، وأحضِر أسئلتك معك.
العمود الفقري عمودٌ من العظام (الفقرات) مرصوفة بعضها فوق بعض، بينها وسائد طريّة تُسمّى الأقراص. وفي منتصفه تمتدّ القناة الشوكية، وهي نفقٌ عظمي يحمي النخاع الشوكي والأعصاب المتفرّعة منه. تغادر هذه الأعصاب العمود الفقري عبر فتحات صغيرة وتتّجه إلى الذراعين والساقين. وتقريباً كلّ مشكلة في العمود الفقري تسبّب أعراضاً تفعل ذلك بإحدى طريقتين: إمّا بإحداث ألم في الظهر أو الرقبة نفسها، وإمّا بالضغط على أحد تلك الأعصاب.
معظم مشاكل العمود الفقري ممّا يُسمّيه الأطباء تنكّسياً (متعلّقاً بالتآكل والبلى). تبدو الكلمة مقلقة، لكنّها لا تعني في الحقيقة سوى البلى الطبيعي الذي يأتي مع مرور العمر: تفقد الأقراص بعض مائها وارتفاعها، وتُصاب المفاصل بشيء من الخشونة، وتتثخّن الأربطة. يحدث هذا لكلّ من يعيش طويلاً بما يكفي. وهو أقرب إلى شيب الشعر منه إلى المرض، علامة على المسافة المقطوعة، لا مصدراً للمتاعب بالضرورة.
وهناك حالات بعينها تتكرّر كثيراً. الانزلاق الغضروفي (القرص المنفتق) هو أن يندفع المركز الطريّ للقرص عبر جداره فيضغط على عصبٍ مجاور، وهو السبب الكلاسيكي لعرق النسا. وتضيّق القناة الشوكية هو ضيقٌ في القناة، ينشأ عادةً من ذلك التثخّن التنكّسي البطيء، وقد يضغط على الأعصاب فيجعل المشي مزعجاً. والانزلاق الفقاري هو أن تنزلق فقرة إلى الأمام فوق الفقرة التي تحتها. وفي الرقبة، يُسمّى الضغط على النخاع الشوكي نفسه (لا على عصبٍ مفرد) اعتلال النخاع، وهو يتصرّف على نحوٍ مختلف وأهمّ.
وإليك الفكرة التي تستحقّ أن تبقى معك من هذا القسم كلّه: العمود الفقري الذي يسبّب ألم الظهر، والعمود الفقري الذي يضغط على عصب، مشكلتان مختلفتان تُعالَجان بطرقٍ مختلفة جداً. فالجراحة عادةً أفضل بكثير في تخفيف ألم الساق أو الذراع الناتج عن عصبٍ مضغوط منها في تخفيف ألم الظهر بمفرده. وإبقاء هذين الأمرين منفصلين في ذهنك سيجعل كلّ محادثة قادمة أوضح.
تعتمد الأعراض على ما يتأثّر (الظهر نفسه، أم عصبٌ مفرد، أم النخاع الشوكي. ومعظم هذه الأعراض، بمفردها، شائعة وغير خطيرة. أمّا الأنماط التي تحتاج فعلاً إلى عناية عاجلة فمذكورة على حدة في قسم «متى تطلب المساعدة» قرب نهاية الدليل) يُرجى قراءة ذلك الجزء.
أهمّ أجزاء التشخيص هي أقدمها طرازاً: قصّة أعراضك والفحص السريري الدقيق. فمكان انتقال الألم، وما الذي يحسّنه أو يسيّئه، وما يكشفه الفحص عن قوّتك وإحساسك ومنعكساتك، يخبر طبيبك أكثر ممّا يتوقّع معظم الناس، وغالباً أكثر من صورة الأشعة.
وللتصوير مكانه، لكنّ التوقيت مهمّ. ففي ألم الظهر العادي دون علاماتٍ تحذيرية، لا يفيد التصوير المبكّر عادةً، بل قد يضرّ، لأنّه يميل إلى إيجاد أشياء تبدو مثيرة لكنّها ليست سبب الألم. والتصوير بالرنين المغناطيسي هو الفحص المختار حين يكون هناك تأثّر في عصبٍ أو في النخاع الشوكي، أو حين تستمرّ الأعراض رغم العلاج المعقول، أو حين توجد أيّ علامة تحذيرية. أمّا الأشعة السينية والتصوير المقطعي فيُظهران العظام جيداً ويُستخدمان في حالاتٍ بعينها.
وهذا أهمّ ما ينبغي فهمه عن صور أشعّة العمود الفقري: إنّ تقارير الرنين المغناطيسي التي تذكر التنكّس وبروز الأقراص و«التآكل والبلى» شائعةٌ جداً عند أشخاصٍ لا ألم لديهم البتّة، وتزداد شيوعاً مع كلّ عقدٍ يمرّ. ولا يكون الكشف الإشعاعي ذا معنى إلّا حين يتطابق مع أعراضك ومع فحصك. والجرّاح الجيّد يعالج المريض، لا الصورة. فإذا كان تقرير أشعّتك مليئاً بعباراتٍ مخيفة الوقع، فلا تفزع، اسأل طبيبك أيّ تلك النتائج، إن وُجد، يفسّر فعلاً ما تشعر به.
ولهذا أيضاً قد يقول الجرّاح إنّ الجراحة ليست الحلّ حتى لو أظهرت أشعّتك «شيئاً ما». ليس لأنّه يقلّل من شأن ألمك، بل لأنّ إجراء عملية على كشفٍ إشعاعي لا يتطابق مع الصورة السريرية نادراً ما يفيد، وقد يزيد الأمور سوءاً.
يتّبع علاج معظم مشاكل العمود الفقري سُلّماً: ابدأ بأبسط التدابير وأقلّها بضعاً، ولا تصعد إلّا إذا لم تكفِ. والجراحة تقع قرب أعلى ذلك السُّلّم لا أسفله، وكثير من الناس لا يحتاجون إليها أبداً. وتعتمد الدرجة المناسبة على أعراضك وفحصك أكثر بكثير من اعتمادها على الصورة وحدها.
الخيط الذي يجري عبر هذا كلّه: جراحة العمود الفقري عموماً أنجح بكثير في تخفيف ألم الذراع أو الساق الناتج عن عصبٍ مضغوط، وفي معالجة المشكلات العصبية وعدم الاستقرار، منها في تخفيف ألم الظهر أو الرقبة بمفرده. فإذا اقتُرحت عملية أساساً من أجل ألم الظهر وحده، فمن المعقول تماماً (بل من الحكمة) أن تسأل عن الاحتمال الواقعي للتحسّن، وعن البدائل.
يعتمد التعافي اعتماداً كبيراً على نوع العملية التي خضعت لها. فبعد استئصال القرص بالمجهر، ينهض كثيرون ويتحرّكون سريعاً ويلاحظون زوال ألم الساق على الفور تقريباً، وإن كان الظهر يحتاج إلى بضعة أسابيع ليهدأ. وبعد تخفيف الضغط من أجل التضيّق، غالباً ما تتحسّن مسافة المشي تدريجياً خلال الأسابيع التالية. وبعد الدمج، يكون التعافي أطول وأكثر تدرّجاً، لأنّ العظم يحتاج إلى أشهرٍ ليلتئم. وسيعطيك فريقك الجراحي إرشاداتٍ محدّدة، اتّبع إرشاداتهم فوق أيّ شيءٍ عامّ مكتوب هنا.
وسواء خضعت لجراحةٍ أم لا، فإنّ اللعبة الطويلة لمعظم مشاكل العمود الفقري واحدة: حافظ على الحركة، وعلى لياقةٍ معقولة، وأدِر وزنك، وإن كنت مدخّناً، فاعلم أنّ التدخين يضرّ فعلاً بصحّة الأقراص وبالتئام جراحة العمود الفقري، فالإقلاع من أنفع ما يمكنك فعله لظهرك.
ويساعد أن تضع توقّعاتٍ واقعية. فهدف معظم علاج العمود الفقري أن يعيدك إلى الحياة التي تريد أن تحياها، لا أن يمنحك عموداً فقرياً جديداً مثالياً خالياً من الألم. كثيرون يعيشون حياةً كاملة نشطة مع عمودٍ فقري لا يزال يتذمّر أحياناً. والانتكاسة بعد العلاج عادةً مجرّد انتكاسة، لا فشل.
والألم المستمرّ يُنهك الناس، والاكتئاب والقلق رفيقان شائعان لآلام الظهر المزمنة. وليسا «وهماً في الرأس»، وهما قابلان للعلاج. وذكرهما لفريقك جزءٌ من رعايةٍ جيّدة للعمود الفقري لا إلهاءٌ عنها.
وكلمةٌ عن الرأي الثاني: قبل أيّ عملية كبرى أو غير عاجلة للعمود الفقري (ولا سيّما الدمج) طلبُ رأيٍ ثانٍ معقولٌ وروتيني. والجرّاحون الجيّدون يتوقّعونه. خُذ معك صور أشعّتك وملخّصاً مكتوباً.
يمكن إدارة معظم آلام الظهر والرقبة دون استعجال. لكنّ عدداً قليلاً من الأعراض يشير إلى مشكلةٍ تحتاج إلى تقييمٍ سريع، في بعض الحالات في اليوم نفسه. اذهب إلى قسم الطوارئ، أو اتّصل بخدمات الطوارئ، إذا ظهر لديك أيٌّ ممّا يلي، خاصةً مع ألم الظهر:
اجتماع تغيّرات المثانة أو الأمعاء مع خدر منطقة السرج وضعف الساقين يُسمّى متلازمة ذيل الفرس. وهي نادرة، لكنّها حالةٌ طارئة حقيقية قد يسبّب التأخّر فيها ضرراً دائماً، لا تنتظر لترى إن كانت ستتحسّن. هذا الدليل معلوماتٌ عامّة لا نصيحةٌ طبّية شخصية، ولا يُغني عن تقييم طبيبٍ مؤهَّل يعرف حالتك.